الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
170
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
[ تفسير صوفي ] : في تأويل قوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ « 1 » يقول الشيخ الأكبر ابن عربي قدس الله سره : « لما نظرنا في قوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ ، أي : اتخذوه وقاية من كل ما تحذرون ، ورأينا مسمى الله يتضمن كل اسم إلهي ، فينبغي أن يتقي منه ويتخذ وقاية ، فإنه ما من اسم من الأسماء الإلهية للكون به تعلق إلا ويمكن أن يتقي منه وبه ، أما خوفاً من فراقه إن كان من أسماء اللطف أو خوفاً من نزوله إن كان من أسماء القهر ، فما يتقي إلا حكم أسمائه ، وما تتقي أسماؤه إلا بأسمائه الاسم الذي يجمعها هو الله . فإذا كان الله مجموع الأسماء المتقابلة وقد علمنا أن المتقابلين إذا كانا على ميزان واحد سقط حكمهما لأن المحل لا يقبل حكم تقابلهما فيسقطان ، فإذا رجح ميزان أحدهما كان الحكم للراجع ، وقد رجح اسم اللطيف بوجودنا لأن الاسم الرحمن يحفظنا ، فترجحت الرحمة فنفذ حكمها ، فهي في الأصل بالإيجاد ، والانتقام حكم عارض ، والعوارض لا ثبات لها ، فإن الوجود لها ، فإن الوجود يصحبنا فمآلنا إلى الرحمة وحكمها ، فلهذا أمرنا بتقوى الله أي نتخذه وقاية ونتقيه لما فيه من التقابل ، وهو مثل قوله في الاستعاذة منه به ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : وأعوذ بك منك « 2 » . وهو من المقامات المستصحبة في الدنيا والآخرة ، فإنه إذا اتقيت أحكام الأسماء ، ولا سيما في الجنة التي حكم الإنسان فيها لصورة الإلهية التي فطر عليها ، فيقول للشيء : كن ، فيكون ذلك الشيء . فربما يحجبه هذا المقام عن الذي هو أعلى في حقه ، فيذهل عن الكثيب الذي هو خير له مما هو فيه ، فيأتي الاسم المذكر الإلهي ، فيذكره بشرف رتبة الكثيب وما يحصل له فيه وما يرجع به إلى أهله ، فيتقي هذا الاسم الذي مسكه في الجنة عن التشوق إلى ما هو أفضل في حقه مما يحصل له في الكثيب ، فلهذا قلنا باستصحاب مقام التقوى في الدنيا والآخرة . فإذا علمت هذا علمت أن مقام التقوى تقوى الله مكتسب
--> ( 1 ) - البقرة : 278 . ( 2 ) - صحيح مسلم ج 1 ص 352 .